السبت، 15 أكتوبر 2016

الأعماق 2

لو أن هذي المادة المعتمة لبدني تحولت فأصبحت فكرا فهذا البعد الجارح بيننا لن يوقفني عن المسير
لأنني عندئذ رغم المسافة سوف آتيك عبر الحدود البعيدة المترامية إلى المكان الذي تقيم فيه
عندئذ لا يهمني المكان الذي تقف عليه قدمي رغم أنه قد يكون أبعد مكان على الأرض منك
لأن الفكر الرشيق قادر على القفز عبر البحار والأراضي حالما يفكر بالمكان الذي يود أن يكون فيه
لكن واأسفاه
فالتفكير يقتلني لأنني لست فكرا لأقفز عبر الأميال العديدة الشاسعة عندما تتركني وترحل
وحيث أني قد تشكلت من طين وماء فلا بد أن أنتظر الفرصة التي يتيحها الزمن مصحوبا بأحزاني

إنني لا أتلقي شيئا من هذه العناصر البطيئة الحركة سوى الدموع الثقيلة رمزا لحزننا العميق


العنصران الآخران  الهواء الرقيق والنار النقية كلاهما لديك حيثما أكون
الأول فكري والثاني رغبتي
هذان المتحركان بيننا دائما في الحضوروالغياب
فإذا ما تبدد هذان العنصران سريعا الحركة في رحلة حب رقيقة إليك فإن حياتي التي تتشكل من أربعة عناصر إذ تصبح اثنين فقط
تهوى إلى قاع الموت مغتمة بحزنها

حتى أستعيد تكوين حياتي الصحيح بتلك الرسائل السريعة التي ترجع إلي منك
لقد عادت الآن مرة ثانية وقد تأكدت من صحتك الجيدة تقص لي أخبارها
تفرحني هذه الأنباء عنك إذ أسمعها لكن السرور لا يدور طويلا
لأنني أبعثها ثانية إليك وسرعان ما يكبر حزني


كيف يتأتى لي التغني بتواضع عن قدرك الرفيع وأنت نفسك أفضل عنصر لدي
ما الذي يمكن أن تجنيه نفسي من امتداحي لنفسي ومن سوى ذاتي امتدح إذا ما امتدحتك

من أجل هذا دعنا نعيش منفصلين ويفقد حبنا الغالي اسم وحدته
حتى أستطيع بهذا الانفصال أن أسلم إليك هذا المديح الذي تستحقه أنت وحدك

أيها الغياب أي عذاب سوف ينجم عنك
لو أن هذا الفراغ البغيض لم يتح لي فرصة طيبة
لقضاء الوقت مع التذكرات الحبيبة التي يعمل الزمن والفكر على إقصائها بطريقة عذبة

لقد علمتني كيف يصير الواحد اثنين بمدح الحاضر هنا وهو البعيد عن العين


يا حبيبي كل أشيائي التي أحبها خذها جميعها ما الذي يمكن أن تكون عندئذ قد أخذت أكثر مما نلته من قبل
ليس هناك حب يا حبيبي يمكن أن تدعوه حبا صادقا كل ما لدي كان لك من قبل أن تأخذ ما أخذته مؤخرا

إذا كنت قد لاقيت من أحبه من أجل حبي لا أستطيع أن ألومك عندما تلقى حبيبي
لكن يمكن أن تلام لو كنت مخادعا لنفسك لنزوة عابثة مقصودة يرفضها قلبك

إني أسامحك على ما سرقت أيها اللص الرقيق رغم أنك استلبت كل فقري
ومع ذلك تعرف أن الأسى يكون أكثر جسامة من احتمال إساءة الحب عن احتمال جرح الكراهة المعروف

أيها الشهواني المهذب يا من تبدو شروره طيبة جذابة اقتلني بنكاياتك لكنا لن نعدو أعداء أبدا


تلك الزلات التي تبيح لنفسك ارتكابها حين أكون غائبا عن قلبك بعض الوقت
جمالك وسنوات عمرك يحتمان وقوع ذلك فالاغراء يقتفي أثرك دائما أينما ذهبت

رقيق أنت حتى يطيب اكتسابك وجميل أنت حتى يلذ انتهابك
فإذا أغرت امرأة واحدا فأي ابن لحواء يمكن أن يتركها مشمئزا قبل نوال بغيتها منه

واها لي عليك الآن أن تحمل وزر مكاني الذي وطئته وأن تكبح جمالك وشبابك الآثمين
اللذين يقودانك إلى مسالك العربدة حيث أكرهت على فصم مزدوج لإخلاصنا

هي  بجمالك الذي أغراها بك وأنت بجمالك الذي دفعك إلى خيانتي


حين أغمض عيني فهل ترى حينئذ جيدا
إنها ترى طوال النهار أشياء لا يلتفت إليها لكنني حين أنام فهي تشاهدك في الأحلام
فالضوء المشع في الظلمة ضوء موجه في الظلام

أنت إذن  يا من يشيع ظله الضوء كيف تشكل هيئتك الحقيقية مشهدا سعيدا
في وضح النهار مع النور الذي يشع منك بوضوح أكثر إذا كان طيفك في العينين المغلقتين مشرقا إلى هذا الحد

وكيف أستطيع التعبير عن النعمة التي ترفل فيها عيني حينما أنظر إليك في ضوء النهار الحقيقي
إذا كان طيفك الجميل غير المكتمل في الليل الميت خلال النوم العميق يستقر على صفحة عيني المغلقة
تبدو الأيام كلها ليالي حتى ألقاك والليالي تبدو أياما مشرقة إذا أتاحت لي الأحلام أن أراك


حرب قاتلة تدور بين عيني وقلبي كيف أقتسم ما في رؤياك من غنائم
عيني تحجب عن قلبي طلعتك  وقلبي يحجب عيني عن مباشرة حقها

يدافع قلبي قائلا إنك تسكن فيه وهو مكان مغلق لم تخترقه أبدا عين إنسان
لكن العينين المدعى عليهما ترفضان التماس القلب تقولان إن محياك الجميل يقيم فيهما

للفصل في هذه القضية فقد أدرجت في جدول المحلفين
تحقيق عن الأفكار كل القضاة انحازوا للقلب
وصدر الحكم بهذا القرار
للعين حظها وللقلب العزيز نصيبه
هكذا صار حظ عيني شكلك الخارجي وصار لقلبي الحق في حبك الصادق العميق


عيني وقلبي عقدا فيما بينهما اتفاقا وصار كل منهما يومئ ودادا للآخر
حين تذوب عيني شوقا إليك أو عندما يتنهد قلبي كتمانا لحبك
مع صورة حبيبي يكون للعين عيدها داعية قلبي لهذا الحفل المزدان
في المرة التالية تكون عيني ضيفا لقلبي حيث تقاسمه أفكاره عن الحبيب
هكذا سواء من خلال صورتك أو من خلال حبي ما تزال حاضرا معي وأنت بعيد
لأنك لست على مسافة أبعد مما يمكن أن تتحرك عندها أفكاري
وأنا ما زلت أصحبها وهي مازالت تصحبك
أما إذا نامت فصورتك باقية في عيني توقظ قلبي إلى مسرة القلب والعين


كم كنت حريصا حين شققت طريقي
كل صغيرة وضعتها خلف حواجز الأمان لتبقى حتى بالنسبة لحاجتي غير مستخدمة
وعن أيدي اللصوص في خزانة أمينة من الثقة

أما أنت يا من تبدو جواهري بالنسبة له شيئا تافها
يا أجدر من ارتحت إليه وأصبح الآن أكبر أحزاني العميقة
يا أعز الأحباب والشيء الوحيد الذي أحرص عليه
لقد صرت نهبا لكل لص زنيم
إنني لم أحبسك في أي صدرإلا حيثما أنت لست موجودا رغم أني أشعر بك
في المختبأ الرقيق لصدري حيث تلقاني وتتركني كيفما يحلو لك
حتى في ذلك المكان أخشى عليك أن يسرقوك فالأمانة تصير لصا إذا التقت شيئا ثمينا مثلك
تحسبا لذلك الوقت لو كان لذلك الوقت أن يجيء حين أراك غاضبا على أخطائي
وحينما يصدر حبك حكمه الأخيرمدعوا للأسباب التي قدرتها إلى ذلك الرأي الدقيق
توقعا لذلك الزمن الذي فيه تعبر الطريق أمامي كالغريب دون أن تحييني بتلك الشمس بنظرة من عينيك
حين يتحول حبك عن الشيء الذي كان له ستجد الأسباب التي لا يتغير ثقلها

تحوطا لذلك العهد فإنني أحصن نفسي هنا في حدود معرفتي بقيمتي الشخصية
وهذه يدي أرفعها شاهدا ضد نفسي مدافعا عن الأسباب المشروعة في جانبك

وأنت مفترق عني بؤسا لي فقوة الحق لديك
ولماذا تحبني مادمت لا أملك سببا يملي الحب عليك


ما أثقل الوطأة التي أرحل بها على الطريق حين يكون ما أنشده نهاية رحلتي الأليمة
هل يعلمني ذلك اليسر وتلك الراحة أن أقول ما أبعد هذه الأميال التي تقصيك
الدابة التي تحملني متعبة  بمحنتي تتثاقل مبطئة في مشيتها لتحتمل الثقل الذي بداخلي كأنما بشيء من الغريزة
عرفت هذه المسكينة أن راكبها لا يحب السرعة طالما جعلته بعيدا عنك
المهماز الدامي لا يستطيع أن يستحثها قدما عندما يخزها الغضب في ضلعيها
فتجيبني مثقلة بالأنين إجابة أكثر حدة لي من المهماز في جنبيها

لأن نفس هذا الأنين يجعلني أتذكر حالي وحزني العميق أمامي وفرحتي خلفي


هكذا يمكن أيها الحبيب أن تغفر إساءة البطء لمطيتي الكسول وأنا أعد الخطى مبتعدا عنك
فلماذا أستعجل نفسي من حيثما أنت مقيم وحتى أعود ليس هناك ما يدعو للعجلة

أي عذر إذن يمكن أن تراه دابتي البائسة حين يبدو الحد الأقصى للسرعة بطيئا
أينبغي علي استخدام المهماز رغم أني أمتطي الرياح في السرعة المجنحة لا أقوى على تمييز الحركة

إذن ليس هناك حصان يستوي في سرعته مع رغبتي
لهذا لو شبت الرغبة في اكتمال الحب لن يثقلها تراب الجسد في اندفاعها الملتهب
لكن الحب من أجل الحب هو العذر الذي يصفح عن فرسي العجوز
لقد أبطأت خطاه السير لأنه يمشي مبتعدا عنك لكنني أتركه يمشي وأجري أنا لو كنت راجعا إليك


ها أنذا كالرجل الغني الذي يستطيع مفتاحه السعيد أن يفتح له كنوزه البديعة المغلقة
التي لا يعانيها ساعة بعد ساعة كيلا يتبلد إحساسه باللحظة المرهفة للذته النادرة
لهذا يكون للأعياد جلالها وندرتها
ما دامت نادرا ما تجيء على مدار العام الطويل
كالأحجار الكريمة إذ توضع على مسافات متباعدة
أو الجواهر الرئيسية في القلادة

هكذا هو الزمن الذي يحفظك مثل صدري
أو كخزانة الثياب التي فيها يختبئ الرداء ليصنع لحظة خاصة لها سعادتها الخاصة
حين تتجلى للعين من جديد أشياؤه السجينة التي يعتز بها
أنت النعيم الحق الذي يفتح طاقة الرؤى إن كنت حاضرا كنت النصر وإن غبت كنت الأمل
من أي خامة أنت من أي شيء صنعت حتى تسهر ملايين الظلال الغريبة عليك
فكل واحد له ظل وحيد بينما أنت في انفرادك تضفي جميع الظلال

الصورة التي أرسمها تقليدا رديئا لو قورنت بك
على صفحة وجهك تجمعت كل فنون الجمال وأنت مرسوم من جديد
معبرا عن الربيع وعن حصاد السنة
يبدو الربيع ظلا لجمالك
ويظهر الحصاد كأنه كرمك الفياض وأنت في كافة أشكال النعيم التي نعرفها

في كل الأشياء الخارجية الجميلة شيء منك
لكنك أنت لا تشبه أحدا ولا أحد يشبهك في قلبك الوفي


إلى أي حد يستطيع الجمال أن يكون أكثر جمالا بهذه الحلية الرائعة التي يضيفها الصدق
الوردة تبدو جميلة  لكننا نحس بها أكثر جمالا من أجل ذلك العطر البديع الذي يعيش فيها

الورود البرية لها نفس اللون المشبع العميق كلون الورود الحقيقية المفعمة بالعطر
بازغة على الغصون الشائكة تتمايل في رشاقة حين تهب أنفاس الصيف وتفتح براعمها المغلقة

ولأن شكلها الخارجي هو ميزتها الوحيدة فقط فهي تعيش دونما اعتبار
وتذوي دونما تقدير
تموت في داخل ذاتها
وليس الأمر في الورد الجميل هكذا فمن موته البديع تصنع أبدع العطور

هكذا أمرك أنت أيضا عندما ترتحل سنقطر منك الصدق
لا الرخام ولا النصب التذكارية المذهبة يمكن أن تعَمر أكثر من هذا القصيد الرصين
لكنك أنت سوف تشع مزيدا من الضوء في هذه المضامين
وليس في النصب الحجري غير المشذب الذي لطخه الزمان اللعين

حين تسقط الحرب المدمرة التماثيل وتهدم المعارك المباني المشيدة
فلا سيف مارس ولا نار الحرب المندلعة يمكن أن تحرق هذا السجل الحي لذكراك
ضد الموت وعدوانية الانسان يمتد ذكرك ويبقى لامتداحك دائما مكان
في كل عيون الأجيال القادمة التي ستحيا في هذه الدنيا إلى يوم القيامة

هكذا إلى أن تنهض في يوم الدين تبقى حيا مقيما في عيون المحبين


أيها الحب الغالي جدد قواك حتى لا يقال إن قوتك الروحية أضعف من رغبتك الحسية
التي ما زالت حتى اليوم راضية بما يشبعها لكنها ستعود غدا إلى حدتها السابقة
لتكن أنت أيضا كذلك أيها الحب
فمع أنك اليوم تشبع عينيك الجائعتين حتى تغمضان ممتلئتين
أنظر إلى الغد مرة أخرى ولا تقتل روح الحب بالاغفال المتواصل

دع هذه الحقبة المؤسفة التي تشبه المحيط
عندما يشق الأرض التي يقف عليها حبيبان تعاهدا مؤخرا
إنهما يجيئان كل يوم إلى الضفاف لعل روعة المشهد تزداد عندما يشاهدان الحب العائد
كأنها الشتاء كلما زادت برودته القارسة إزداد شوقنا لمجيء الصيف أضعافا


مرتقبا الساعات والأزمنة التي تحمل رغبتك
ليس لدي وقت ثمين لأنفقه ولا خدمات أؤديها حتى تطلبها
كما أنني لا أجرؤ على توبيخ الدنيا التي تمد ساعاتها المضجرة بلا نهاية
بينما أرقب الساعة في انتظار مجيئك دون التفكير في مذاق غيابك
ولا أجرؤ على مناقشة أفكاري الغيورة
أين يمكن أن تكون
أو كيف هي أحوالك المفترضة
لكنني كالحزين أبقى ساكنا ولا أفكر بشيء
سوى أن المكان الذي أنت فيه يفيض منك بالفرح على من فيه

مجنون حقا هو الحب فمهما رغبت وكيفما أردت فهو لا يفكر بالسوء في أي شيء فعلت


أدعو الله
أن يحرم على التفكير في السيطرة على أوقات نشوتك
أو ان أصبو إلى محاسبتك على كيفية إنفاقك للساعات
فما دمت أسير نعمتك علي أن أنتظر وقت فراغك

ولأبق إذن في معاناتي طالما بقيت رهن أمرك سجين الغياب الذي تحياه حرا
الصبر الذي صار أليف المعاناة يحتمل كل كبح دون أن يدينك لأي جرح
كن حيثما تشاء  فإن صفاتك بالغة القوة لتكون أنت بنفسك ميزة لعصرك
فالشيء الذي ترغب فيه  يصبر حقا لك فتغفر لنفسك الجرائم التي تقترفها
علي أن أنتظر رغم أن الانتظار على هذا النحو جحيم بلا لوم لمسراتك سواء كانت في الاثم أو في الفعل الحكيم


لو لم يكن هناك شيء جديد سوى ما كان من قبل فيا للخداع الذي استولى على عقولنا
وهي تكد في اختراعاتها تحمل بطريقة خاطئة حملها الثاني للطفل الذي جاء من قبل
لو أن ذلك السجل يستطيع بنظرة إلى الوراء حتى ولو لخمسمائة عام تحت مدار الشمس
أن يريني صورتك في واحد من كتب القدماء منذ دونَ العقل أفكاره بالحروف
حتى أرى ما قيل في العالم القديم عن هذه الروعة في تكوينك
هل صورتنا نحن الأفضل أم صورتهم
أم أن دورة السنين تستعيد نفسها

واثق أنا من أن مفكري الأزمنة الزائلة امتدحوا بإعجاب أشخاصا أدنى منك منزلة
مثلما تتلاحق الأمواج نحو الشاطئ المفروش بالحصى تسرع أيضا دقائقنا إلى نهاياتها
تحل كل منها مكان التي مضت قبلها
في جهد متتابع وتنافس بينها جميعا في حركتها إلى الأمام
بعدما يأتي الوليد إلى نور الحياة يحبو حتى ينضج فإذا ما توجته الأيام
أنشبت مخالب الخسوف الخراب فيما له من البهاء
والزمن الذي وهب يدمر الآن ما له من العطاء
يسلب الزمان زهرة الشباب من نطاقها ويحفر خطوط التجاعيد المتوازية في جمال الجبين
يقتات بالكائنات النادرة التي بلغت في الطبيعة حد الكمال
ولا شيء ينهض لمواجهة منجله القهار

لكن الأمل في الأزمنة المقبلة يشحذ شعري بالتحمل مثنيا على فضائلك رغم يده القاسية


أهي إرادتك أن تبقي عينى مفتوحين أمام هذا الليل الأليم
أأنت ترغب في ذود النوم عن عيني بينما الظلال التي تشبهك تسخر من مشهدي

هل هو شبحك الذي بعثت به من داخلك إلى أقصى مكان في موطني للتلصص على أفعالي
واكتشاف المخازي وساعات الصعلكة في حياتي
في رؤى غيرتك وتسلطها
لا فرغم حبك الوافر فهو ليس عظيما
إن حبي لك هو الذي يبقي عيني يقظتين
حبي أنا الصادق هو الذي يدمر راحتي ليلعب دور الحارس من أجلك إلى الأبد
من أجلك أبقى ساهرا عليك بينما تسهر أنت في مكان آخر شديد البعد عني مع آخرين في غاية القرب منك


خطيئة حب النفس تستحوذ على كل ما تراه عيني وروحي كلها وكل جزء في كياني
وليس لهذه الخطيئة أي شفاء فهي راسخة تماما في أعماق قلبي
أعتقد أنه ليس هناك وجه يسر القلب مثل وجهي ولا شكل صادق إلى هذا الحد ولا صدق بهذه الدرجة
من أجل نفسي أحدد قيمتي الخاصة لأنني أفوق الآخرين كلهم في جميع القيم
لكن مرآتي عندما تعكس نفسي على حقيقتها
فإنني أطالع حبي لذاتي على نحو مختلف تماما وأدرك أن حب النفس لذاتها هو الخطيئة
أنت نفسي التي أمدحها لنفسي وأنا ألون عمري بجمال أيامك


حتى لا يصير حبيي إلى نفس حالتي الراهنة منسحقا مستهلكا بيد الزمن الجارح
وقد استنزفت دماءه الساعات وملأت جبينه بالخطوط والتجاعيد

حين يكون فجر شبابه قد ارتحل إلى هاوية العمر المظلمة
وكل هذا الجمال الذي هو الآن ملك عليه في طريقه للزوال
أو يكون قد اختفى من مرأى العين منتبها كنز ربيعه إلى مكان بعيد

لمثل هذا الزمن أقيم الآن هذه التحصينات ضد سكين العمر القاسية المدمرة
حتى لا تستطيع أن تقتطع من الذاكرة جمال حبي الغالي رغم حياته الفانية

سيكون جماله في هذه السطور السوداء مرئيا للأنظار لأنها ستبقى حية
وسيبقى هو فيها دائم الإخضرار


حين رأيت يد الزمن الباطشة قد شوهت الآثار المحتالة الباذخة للأزمنة البالية الدفينة
والأبراج التي كانت ذات يوم شاهقة منيعة تهوي إلى الحضيض والشواهد النحاسية التي لا تبلى تسحقها الثورة الداهمة
عندما شاهدت المحيط النهم يحتال على مملكة الشاطئ
وما تجنيه الأرض الصلدة من عرض المحيط يزداد الرصيد بقدر الخسائر والخسائر بقدر الرصيد
حين رأيت هذه التحولات المتبادلة والأمم نفسها وقد سقطت في براثن الفناء
علمني الخراب ما دفعني لهذه التأملات سيأتي حتما الزمن الذي يأخذ حبيبي بعيدا

هذه الفكرة كالموت تماما لا تملك معها أن تختار شيئا سوى أن تبكي على امتلاك ما تخاف أن تفقده


لا النحاس ولا الأحجار ولا الأرض ولا البحار اللانهائية
إلا ويطيح الفناء الأليم بقوتها
فكيف أمام هذا الغضب الماحق يلتمس الجمال الرحمة وهو الذي لا تزيد قوته عن قوة الزهرة

كيف تصمد أنفاس الصيف الممتعة ضد الحصار المدمر للأيام الساحقة
حين تكون الصخور المنيعة أقل ثباتا والبوابات الصلبة ليست قوية بما يكفيها لمجابهة الزمن الذي يفنيها

يا للتأملات المخيفة
هل تثوي لؤلؤة الزمن المثلى خبيئة عن صدر الزمن
وأي يد قوية يمكنها أن تمسك قدمه السريعة عن الحركة
أو من ذا يمنعه عن تخريب الجمال

لا أحد إلا إذا أتيحت القوة لهذه المعجزة
فيبقى حبي مشعا بالضوء وهو حبر أسود


متعبا من كل ذلك أصبح طالبا الموت المريح
حين ألاحظ
أن الناس التافهين داخل إطار من البهجة الصاخبة
وأصدق الإيمان يقسم به تضليلا
والشرف الرفيع يتخذ بالخزي غير مكانته
والفضيلة العذراء تصير بالوقاحة بغيا
والكمال الصحيح تلحقه الإساءة بالعار
والقوة تصبح بالتراخي معوقة
والفن بالسلطة ملجم اللسان
والغباء ديكتاتور يحكم الذكاء
والحقيقة الواضحة بالسذاجة تسمى زورا
والخير أسير تحت حراسة الشر الخطير

متعبا من كل هذا كم أتمنى أن أنطوي بعيدا لولا أني حين أموت أترك من أحبه وحيدا


لماذا عليه إذن أن يعيش بهذه العلة ويعفو وجوده عن هذا العقوق
حتى تجد الآثام فيه فرصة لتحقيق مأربها عاقدة  لنفسها الرباط بعالمه
لماذا يقلد الرسم الكاذب وجنتيه ويسوق الرؤية الميتة من رحيق حياته
ولماذا يبحث الجمال المسكين بطريقة ملتوية عن زهور الظل مادامت له وردته الصادقة

لماذا عليه إذن أن يعيش بعدما صارت الطبيعة مفلسة
خاوية من الدم الذي يندفع خلال العروق الحية
لأنها لا تملك الآن أي مورد سواه
والكثير مما تختال به يستمد الحياة مما لديه

يا لها إنها تختزنه لتظهر قدر الثروة التي كانت تملكها
منذ زمان بعيد قبل مجيء هذا الزمن الأخير الشديد السوء


هكذا تبدو وجنته مثل خريطة من سالف الزمان حين كان الجمال يحيا ويموت كما الزهور
قبل ميلاد سمات الحسن أو الجفاف الذي صار مقيما في الجبين
قبل أن تصبح ضفائر الميت الذهبية حقا للمقبرة وتم قصها
لتعيش حياة ثانية على رأس أخرى

في العصر القديم لم يستخدم أبدا شعر جميل لأحد الموتى في صناعة جمال آخر

تلك الأيام القديمة المباركة يمكن رؤيتها فيه بذاتها وصدقها بلا زينة من أي نوع
فهو لا يصنع صيفا من خضرة الغير
ولا يسرق شيئا قديما ليلبس جماله شيئا جديدا

لهذا تختزنه الطبيعة كالخريطة المرسومة
حتى يرى الفن المزيف كيف كان الجمال في العصور القديمة


تلك الأجزاء التي تراها عين العالم منك لا ينقصها في خواطر القلوب شيء يمكن تقويمه
جميع الألسنة التي تعبر عما في الروح توفيك في ذلك ما يجدر بك
تنطق بالحقيقة العارية التي يعترف بها الأعداء كذلك

هكذا يتوج المديح الخارجي هيئتك الخارجية
لكن نفس هذه الألسنة التي تعطيك ما هو حق لك تفسد هذا المديح نفسه بمقولات أخرى
حين ترى أبعد مما يبدو للعين
إنهم ينظرون إلى جمال عقلك
ويقيسون من خلال أعمالك ما كانوا يقدرونه بالحدس
ورغم نظرتهم الطيبة فإن أفكار هؤلاء
تربط ما بين زهرتك البديعة والرائحة الكريهة للأعشاب الضارة

أما سبب التناقض بين جوهرك ومظهرك يكمن في هبوطك إلى مستوى العامة

ذلك اللوم الذي وقع عليك لم يكن لنقص فيك لأن القذف يهدف دائما إلى تشويه الجمال
ومن علامات الجمال أن يكون موضع الظن مثل الغراب يحلق في أعذب أجواء السماء
وما دمت طيب الخلق
فكل ما يؤكده الافتراء عليك أن منزلتك هي الأعلى رغم شرور العصر التي نالتك
لأن الديدان تقضي على البراعم الرقيقة التي تحبها
بينما تقدم أنت صورة النقي المهذب

لقد عبرت في كمين الأيام الشابة الأولى وسواء لم يهاجمك أحد أو أنك انتصرت عندما هوجمت
فإن مديحي لن يوفيك حقك ليوقف الحسد الذي يزداد دائما لك

لو لم يصنع بعض الظن السيء قناعا يخفي طلعتك
لكنت وحدك الجدير بالسيادة على ممالك القلوب

لا تواصل البكاء علي عندما أموت لمدى أبعد من سماعك الجرس المؤكد الجهم
حذر الناس بأنني قد هربت من سكنى هذا العالم المفترس وديدانه الأشد افتراسا

ليس هذا فحسب فلو قرأت هذا السطر لا تتذكر اليد التي دونته لأنني أحبك إلى حد بعيد
إلى حد وجوب نسياني من أفكارك الطيبة لو كان التفكير فيّ يسبب الآلام لك

لو أنك نظرت إلى هذه الأشعار ربما  بعدما أصير ممزجا مع الطين
لا ترددها كثيرا كاسمي المسكين
بل دع حبك يذوي سويا مع حياتي التي ذوت

كيلا ينعم العالم العاقل النظر في مبكاك ويسخر منك بسببي بعدما أكون قد رحلت


لئلا يتحداك العالم أن تذكر له شيئا عن المزية التي عاشت داخلي واستوجبت حبك
بعد موتي أيها الحبيب الغالي فلتنسني تماما لأنك لن تجد لدي شيئا يستحق البرهان

ما لم تلجأ إلى بعض الأكاذيب الفاضلة لتفعل من أجلي أكثر مما تستحقه ذاتي
وتضفي مزيدا من الاطراء على شخصي الفاني أكثر مما تقوى الحقيقة البائسة على البوح به

ولئلا يبدو حبك الصادق في هذا الشأن كاذبا فتتحدث عني بسبب الحب حديثاً طيبا ليس صادقا
سيكون اسمي مدفونا حيثما يدفن جسدي
ولن يكون بعد ذلك حيا ليلحق العار لا بي ولا بك

لأنني خجلان مما أكتبه الآن وفيما بعد
وهذا ما يجب عليك أنت كذلك، حين تحب الأشياء التي لا قيمة لها


ذلك الفصل من فصول السنة يمكن أن تراه في مشاعري
حين يكون الورق الأصفر أو القليل أو لاشيء عالقا على تلك الغصون تهتز في مجابهة البرد
آلات عزف عارية محطمة غنت عليها الطيور الأثيرة ذات يوم

في كياني ترى الشفق الذي كان في ذلك اليوم يذوي في الغرب مثل الشمس بعد الغروب
تأخذها الليلة الظلماء إلى مكان بعيد
حيث الوجه الآخر للموت يطوي الجميع في هدوء

وترى في وجودي توقد ذلك اللهب الذي يتمدد الآن على رماد شبابه
كأنه على سرير الموت حيث لا بد أن ينتهي مستهلكا بنفس الشيء الذي اقتات عليه

أنت تعي هذا الشيء الذي يجعل حبك قويا إلى حد بعيد
ويجعلك تحب بشكل أفضل هذا الذي ستفارقه حتما عما قريب


كن راضيا حينما أقع في قبضة القدر التي ستأخذني بعيدا مجردا بلا رجعة
سيبقى لحياتي بهذه الكلمات بعض المشاركة
وستبقى دائما للذكرى معك

وحين تعيد القراءة سترى يابن التراب من جديد نفس الجزء الذي كرسته لك
فالتراب لا يجني سوى التراب الذي يستحقه
إن روحي ملك لك وهي أفضل جزء في كياني

هكذا ترى إنك لم تفقد شيئا سوى سقط متاح الدنيا
فريسة الديدان جسدي الذي يكون ميتا
الغزو الجبان لسكين ذلك التعس إنه شيء أشد وضاعة من أن تذكره

قيمته في الروح التي تعيش فيه وهي في كلماتى التي تحيا معك


هكذا أنت لأفكاري مثل الطعام للحياة أو مثل الأمطار العذبة الموسمية للأرض
ومن أجل السلام الذي تمنحني إياه أواصل هذا النضال الذي يشبه النضال الناشب بين البخيل وثروته

الآن وهو مزهر كمن يستمتع بالأمرسرعان ما يخاف من العمر المتسلل كاللص أن يسرق كنزه
الآن أرى أنه من الأفضل أن أكون وحدي معك فيرتقي شعوري لأن العالم سوف يرى سعادتي

أحيانا حين أصير ممتلئا باستغراقي في طلعتك ورويدا رويدا أموت جوعا لنظرة إليك
لا أمتلك ولا ألاحق شيئا من السرور سوى ما لا يمكن أن يؤخذ إلا منك فقط

هكذا يتناوبني التوق الشديد والشبع المفرط يوما بعد الآخر
ما بين وجودك الشامل معي وبعدك الكامل عني


لماذا تبدو قصائدي خالية تماما من البدع الجديدة شديدة البعد عن التغيرات أو التقلبات السريعة
ولماذا لا يتحول انتباهي إلى ما يدور في زماننا من المناهج الحديثة والتراكيب الغريبة

لماذا أكتب دائما بنفس الطريقة وأظل كما أنا محافظا على صياغة الجديد بالطريقة المألوفة
حتى صارت تنطق باسمي كل الكلمات
وتدل على مولدها وعلى منبتها

فلتعرف أيها الحبيب أنني أكتب عنك دائما
وأنك أنت والحب ستظلان أطروحتي الأبدية
وأن أفضل ما يمكنني هو الكساء الجديد للكلمات القديمة
مستخدماً مرة أخرى ما سبق استخدامه

فمثلما تكون الشمس كل يوم جديدة وقديمة مازلت أكتب عن حبيبي ما كتبته قديما


ستريك مرآتك كيف تبلى أشياءك الجميلة
كما تريك ساعتك كيف تضيع هباءً دقائقك الغالية
الأوراق البيضاء ستحمل حروف أفكارك ومن هذا الكتاب ستتذوق هذه المعارف

التجاعيد التي ستريها لك مرآتك بصدق عن القبور الفاغرة الأفواه ستعيد إليك الذكريات
وستعلم من الظل المتسلل في حركة ساعتك إن الزمن ينسل في اتجاه الخلود

أنظر إلى ما لا تستطيع ذاكرتك أن تحتويه
والتحم بهذه الفراغات عندئذ سوف تجد أولئك الأبناء الذين أنجبهم عقلك عندما ترعاهم
سيجعلونك تتعرف من جديد على أفكارك

هذه الأفكار اليومية التي تمارسها كلما عاودت النظر
ستفيدك وتثري كتابك إلى أبعد أثر

ستريك مرآتك كيف تبلى أشياءك
كنت أستحضرك دائما كأنك العروس التي تلهمني الشعر
وكنت أجد هذا الالهام البديع في أشعاري
مثلما فعل كل قلم غريب سلك مسلكي واستلهم شعره تحت رعايتك

عيناك اللتان علمتا الأبكم أن يتهلل بالغناء والمثقل بالجهل أن يطير عاليا
أضافتا ريشا إلى الجناح العليم ومنحت الحسن جلالا مضاعفا

لتكن إذن تياها بهذا المؤلف الذي أكتبه
والذي هو مستلهم منك ومولود من صلبك
أنت نبع لارتقاء التعبير في أعمال الآخرين
وبفضائلك الطيبة تنعم الفنون وترقى

لكنك بالنسبة لي جميع فنوني تصحبني قدما
إلى العلا حتى أتحول من فجاجة الجهل إلى علاء المعرفة



حين أدعوك في وحدتي طالبا معونتك تحظى أشعاري وحدها بكل جمال كرمك
أما الآن فإن أوزاني الفياضة قد اضمحلت وعروس إلهامي العليلة أخلَت مكانها لشخص آخر
أعتقد أيها الحبيب الرقيق أن الحديث الجميل عنك
يستحق أن يكتبه قلم أكثر جدارة
رغم أن جميع ما يستطيع شاعرك أن يبدعه عنك هو ما يسرقه منك ثم يرده إليك مرة أخرى
إنه يلبسك رداء الفضيلة وهو سارق لتلك الكلمة
من مسلكك والجمال الذي يضفيه عليك موجود في وجنتيك إنه لا يستطيع
تمجيدك بأي شيء سوى صفاتك النابضة

لا تشكره إذن على تلك الأشياء التي يقولها عنك
ما دمت أنت الذي ستدفع الدين الذي له عليك




الاثنين، 10 أكتوبر 2016

الأغماق 3

كم أتلعثم حينما أكتب عنك وأنا أعرف أن شاعرا أفضل مني سيفعل ذلك
وسيبذل كل طاقته في مديحك حتى يعقل لساني إذا أردت التعبيرعن طباعك الذائعة

لكن، ما دامت منزلتك شاسعة كالمحيط تحمل الشراع المتواضع كما تحمل أشد الأشرعة اختيالا
فإن زورقي الرقيق الأقل قدرا من مركبه إلى حد بعيد
سيظهر رغم كل شيء على بحرك العريض

ستبقيني طافيا أكثر معاوناتك ضحالة بينما هو يعتلي أعماقك التي لا يسبر غورها
فإذا ما تحطمت فإنني زورق لا قيمة له بينما هو شامخ البناء رائع الأبهة

أما إذا استأثر بك واطرحت أنا بعيدا
فأسوأ ما في الأمر أن يكون حبي سببا لفنائي


إذا طال بي العمر بعدك وكتبت الأسطر التي ستوضع على شاهد قبرك
فسوف أبقى خالدا بينما أكون أنا تحللت في التراب
لأن الموت لا يقوى على طي ذكراك من هذه القصائد
رغم أني سأصبح نسيا بأكملي منسيا

سيحظى اسمك في أشعاري بحياة خالدة
رغم أني بمجرد رحيلي يكون موتي مؤكدا للعالم بأسره
ولن يكون لي في الأرض سوى قبر عادي بينما يكون مثواك الأخير في عيون الناس

سيكون تذكارك في أشعاري الرقيقة هذه الأشعار التي ستقرؤها عيون لم تخلق بعد
والتي سترددها ألسن يكون حديثها عنك حين يكون أحياء عالمنا هذا في عداد الموتى

لقلمي هذه القدرة التي تجعلك تواصل الحياة
حيثما تتردد أنفاس الناس ما بين الشفاه


أعترف أنني لم أكرسك لأشعاري وحدها ولهذا فربما تمعن النظر دون ريب
في كلمات الاهداء التي يستقيها الشعراء الآخرون
من شخصك الحبيب لتحظى كتبهم بالرواج

غزير أنت في معرفتك مثلما أنت كريم في شمائلك
وإذا أرى قدرك أبعد شأوا من حدود مديحي
فأنت مجبر لذلك على البحث من جديد عن تعبير أكثر طزاجة لأيام هذا الزمن التي تتعاقب

أرجو أن تفعل هذا أيها الحبيب فإذا ما استخدموا أسلوباً خاصا
فما الذي تغني عنه اللمسات البلاغية المبالغ فيها
إن التعبير الصادق صورة لجمالك الصادق في الكلمات البسيطة الصادقة
صاحبك الذي يصدَقك القول

أما مبالغاتهم في تلوين الصورة فمن الأفضل أن تستخدم
للخدود التي تفتقر إلى الدماء لأنها بالنسبة لك سخف وعدم


ما رأيتك أبدا في حاجة إلى تلوين صورتك لهذا لم أضف أية ألوان إلى جمالك
لقد وجدت أو اعتقدت أني وجدت أنك أنت بذاتك
تتجاوز العطاء الخاوي الذي يضيفه الشاعر عليك

لهذا أغضيت عن امتداحك
طالما أنك أنت بكونك حيا ستظهر في أقوى صورة
إلى أي مدى سيقصر باع المبتدل الأجوف
حين يتحدث عن القيم  وما أعظمها تلك التي تكبر دائما لديك

لقد وصمت سكوتي هذا فاعتبرته نوعا من الخطيئة
وهذه أعظم آيات الفخر عندي أن أكون أخرسا
لأنني لا أفسد الجمال ببقائي صامتا حين يجيء الآخرون بالقبر بدلا من الحياة

تفيض وفرة من الحياة في عين واحدة من عينيك الجميلتين
أكثر من المدائح التي يبتكرها شاعراك معا


من ذا الذي يبلغ بالقول أقصاه فلا يزيد ما يقول
عن هذا المديح الفياض بينما أنت بمفردك هو ذلك الشخص
الذي يختزن بين جوانحه جميع العناصر المرتجاه
التي يتشكل منها النموذج الذي يعادلك

في مثل هذا القلم لا يقيم سوى شاعر فقير العبارة
لا يملك من العطاء لموضوعه سوى بعض الوهج القليل
أما ذلك الذي يكتب عنك فإنه إذا استطاع التعبير
الصورة التي أنت عليها يضفي الشرف على ما يرويه

دعه لا يفعل شيئا سوى أن ينسخ ما هو مدون فيك
وألا يشوه ما جعلته الطبيعة واضحا
لأن هذا النسخ سيذيع فطنته ويجعل أسلوبه موضع الاعجاب في كل مكان

لقد أضفت إلى مواضع الرحمة في شمائلك الجميلة هذا البلاء
مذ صرت مغرما بالمدح فصارت المدائح شيئا سيئا حيث لا يدانيك الشعراء



عروس إلهامي التي انعقد لسانها تأدبا يمسكها عن الكلام
بينما الأقوال الوافرة الغنى التي تقال في الاشادة بك
تحتشد في عباراتها الكلمات المذهبة
والجمل الباذخة التي صاغتها عرائس الالهام جميعا

تراودني الأفكار الطيبة بينما يكتب الآخرون الكلمات المليحة
ومازلت مثل رجل يجهل الأمر أقول بصوت مرتفع "آمين"
لكل قصيدة يكتبها الشعراء المقتدرون في شكل مصقول وأسلوب من أرفع درجات التجويد

عندما أستمع إلى ما كتب في مدحك أقول "هذا صحيح، هذا حقيقي"
وإلى الحد الأقصى من الثناء عليك أضيف شيئا آخر
يكمن في أفكاري التي تحفظ لك الحب
في منزلة أعلى من الكلمات رغم ما تحمله من أرقى طبقات التعبير

فليكن منك التقدير للشعراء الآخرين للنَفَس الحي في كلماتهم
وليكن تقديرك لي من أجل أفكاري الخرساء التي تحمل نَفْس أقوالهم


أهو شعره العظيم الذي يختال شراعه فوق العباب
متجهاً إليك للفوز بجائزة وصالك الغالي
هو الذي دفعني إلى تكفين أفكاري الناضجة داخل رأسي
جاعلاً قبرها في مهدها الذي نَمَتْ فيه

أهي روحه التي علمتها الأرواح أن تكتب
ما يتجاوز الفناء هي التي وجهت لي الضربة القاتلة
لا هو ولا رفاقه في الليل
الذي يقدمون له العون يقدرون على إخراس أشعاري
لا هو ولا ذلك الشبح الدمث الأليف الذي يزدده في الليل بالمعارف الخفية
يستطيعان التفاخر كالمنتصرين بأنهما أسكتا صوتي
فما كنت مريضا بسبب الخوف كيفما كان منهما

لكن أشعاره حين التأمت بتأييدك المعنوي لها
أصبحت أنا مفتقرا لهذا الشأن وهذا هو ما أوهنني


وداعا إنك أغلى من أن أستحوذ عليك
ويكفيني أنك تعرف قيمتك
فامتيازك بهذه القيمة يعفيك من الالتزام فتنتهي كل دعاوي حقي فيك
كيف أدعي لنفسي حقا فيك بلا ضمانة منك
وكيف الطريق إلى استحقاق ذلك العطاء
إن احتياجي هو المبرر لهذه الهدية الجميلة لذلك يسقط حقي ويرتد مبعدا إلى الوراء

لقد أعطيتني نفسك دون التحقق وقتئذ من قيمة ذاتك
فهل بالغت في تقديري حينما أعطيتني
هكذا نما عطاؤك العظيم على أساس خاطئ
وها أنت تسترده الآن بعدما وصلت إلى حكم أفضل

بذلك أكون اتخذتك كالحلم المخادع
كنت في الحلم ملكا وحينما صحوت لم أجد أثر


حينما تتخذ مني ذات يوم موقفا مستخفا وتنظر إلى جدارتي بعين الاحتقار
فسوف انحاز إلى جانبك في القتال ضد نفسي
وأثبت أنك الصاحب العفيف رغم أنك الخوان
ولأنني على معرفة تامة بموطن ضعفي فبإمكاني اختلاق قصة تعضد جانبك
تموهها المثالب التي أكون فيها مذنبا مدانا إلى الحد الذي تنال فيه بفقدي مجدا كبيرا
بذلك أكون أنا الرابح أيضا لأنني حين أحيطك بجميع أفكاري التي تحبك
فإن الجراح التي أسببها لنفسي
ستكون ذات قيمة لك  وتكون قيمتها لي مضاعفة

هذا هو حبي لك وهكذا أنتمي إليك
ولكي تكون صاحب الحق  فإنني أحمل كل الوزر عنك


قل إنك هجرتني لأنني اقترفت ذنبا ما وسوف أعلق على تلك الاساءه
وأخبرك عن عرجي وسأصبح أعرجا ولن أدفع عن نفسي دعواك ضدي أبدا
أنت لا تستطيع أيها الحبيب أن تلحق بي خزيا يكون نصفه سيئا
إلى الحد الذي يبدو رفضك لي أمرا مبجلا
فسوف ألحق العار بنفسي وأنا عارف برغبتك

سأنكر معرفة أحدنا بصاحبه وأتصرف كما لو كنت غريبا
سأختفي من السكك التي تمشي فيها وسأمسك لساني
فلا أنطق به اسمك الحبيب بعد الآن
لئلا أسيء إليه وأنا ممتهن إلى أبعد الحدود
إذا ما تكلمت دون قصد عن صحبتنا القديمة

من أجلك أنت سأخوض الحرب ضد ذاتي
لأنني لا بد ألا أحبه أبدا ذلك الشخص الذي تكرهه أنت


فلتكرهني وقتما شئت وإذا لم يكن من ذلك مفر فليكن الآن
الآن وقد أصبح العالم متكاتفا لاحباط أعمالي
فلتتحالف مع الحظ التعس لتحنيا هامتي
ولا تضف للكيل بعد ذلك ما يجعله يفيض بالخسران
فإذا ما استطاع قلبي أن يتجاوز هذه الأحزان فلا تعد لتنكأ الألم المهزوم
لا تتبَع الليل العاصف بالصبح المطيركي لا تطيل علي الخطة المدبرة للاطاحة بي

إذا عقدت النية أن تتركني فلا تتركني في الهزيع الأخير
حين تكون الأحزان المؤسية الأخرى قد فعلت أسوأ ما لديها
ولكن تعال في مفتتح المهانة حتى أستطيع أن أتذوق
في أول الأمر أشد مرارات الحظ الرديء

عندئذ تكون المواجع الأخرى، التي تبدو الآن فاجعة
إذا ما قورنت بخسارتي فيك ليست إلى ذلك الحد موجعة


يتفاخر بعض الناس بأنسابهم والبعض بمهاراتهم
وبعضهم يتباهى بثروته وآخرون بقوة أجسامهم
ويتألق البعض بأثوابهم رغم تواضعها القبيح
وبعضهم يعتز بصقوره وكلابه والبعض بما لديهم من خيول
لكل مزاج نزعته التي تتسق مع سعادته حيث تجد ما يبهجها فوق ما عداه
لكن معيار سروري ليس في هذه الملذات الخاصة
لأنني أتخطاها جميعا في مسرة واحدة شاملة
حبك لي أفضل من الأصل الرفيع وأكثر غنى من الثروة وأعظم فخرا مما تكلفه الثياب
وأغزر اسعادا من الصقور والخيول
وأن تكون صاحبي فإني أختال بك على زهو الناس أجمعين

لكن الشيء الوحيد الذي يشقيني أنك قد تأخذ مني
جميع هذه الأشياء  فتجعلني أتعس البؤساء


أولئك الذين يستطيعون أن يضروك لكنهم لا يفعلون ولا يقومون بما يبدو جليا أنهم قادرون عليه
إنهم يحفزون غيرهم لكنهم مع أنفسهم كالحجارة

لا يستفزون
باردون
لا يستهويهم شيء بسهولة
أولئك هم الذي يرثون النعم الالهية بالحق  ويحفظون كنوز الطبيعة البشرية من التبذير
إنهم سادة أنفسهم وملاك زمامها
وليس الآخرون سوى الوكلاء القائمين على شؤون سادتهم

زهرة الصيف تهب الصيف حسنها البديع رغم أنها تحيا وتموت في نطاق ذاتها فقط
لكن هذه الزهرة لو أصابها التلوث الوضيع فإن أحط الأعشاب الضارة يتحدى قدرها الرفيع
لأن أكثر الأشياء حلاوة قد يصير بسبب أفعالهم أكثرها مرارة
كزهور الليلك حين تتعفن فتصبح رائحتها أبشع من رائحة الطحالب


هكذا سوف أحيا، مفترضا فيك الصدق مثل  المخدوع
وهكذا سيظل وجه الحب يبدو لي وكأنه الحب رغم التغير الجديد

في نظراتك لي وقلبك الذي أصبح في مكان آخر
ولأن الكراهية لا تستطيع أن تحيا ما بين عينيك
لهذا تجدني حائرا في معرفة هذا التحول منك
في نظرات الكثيرين يظهر سجل القلب المزيف
مدونا في طباعهم وتقطيب وجوههم وتجاعيدهم الغريبة
لكن السماء عند خلقها لك شاءت
أن يكون وجهك السمح موطنا دائماً للحب
فمهما كانت أفكارك وكيفما كانت مشاغل قلبك

فلن تفصح نظراتك عن شيء سوى الرقة والعذوبة


إفعل أسوأ ما يمكنك لتسرق نفسك بعيدا فمن المؤكد أنك لي طوال حياتي التي أعيشها
ولن تكون الحياة أطول من زمن بقاء حبك لأنها تتوقف على ذلك الحب الذي تملكه

ليس هناك ما يخيفني من أسوأ الأخطاء ما دامت حياتي ستنتهي لو حدث أهونها
سوف أكون في حالة أخرى
أفضل من تلك التي تتوقف على مزاجك الخاص
أنت لا تقوى على إرباكي بأفكارك المتقلبة طالما تتوقف حياتي على ثورتك عليها
يا له من حظ في السعادة هذا الذي وجدت
سعيد أنا حين أفوز بحبك وسعيد حين ألاقي الموت

أي شيء له من الجمال والقدسية ما لا يدع سبيلا لأي شائبة
ربما تكون خائنا
 وأنا لا أعرف شيئاً عن ذلك حتى الآن


بأي قدر من الرقة والمحبة تقترف الأمور المشينة مثل الدودة التي تنهش برعم الوردة العطرة
تلطخ جمال اسمك وهو ما زال برعما
واهاً لك في أي العناصر الرقيقة تخفي خطاياك
هذا اللسان الذي يروي قصة أيامك معلقا باستهتار على ألاعيبك
لا يستطيع أن يذمك لكنه على سبيل المدح حين يشير إلى اسمك
يغفر الخبر السيء الذي يقال عنك

يا له من مدار ذلك الذي اتخذته تلك الخطايا حين اختارتك أن لتكون لها سكنا
حيث يخفي نقاب الجمال جميع الوصمات

فتتحول كل الأشياء إلى الصورة الحبيبة التي تراها العيون


ينسب بعضهم خطأك إلى عمرك الغض والبعض إلى ملذاتك المسرفة
ويقول آخرون أن الشباب واللهو البديع فيك فضيلة وجمال
وكيفما كان الأمر فالفضيلة والخطأ كلاهما محبب بشكل ما
لأنك قادر على تحويل ما ينسب إليك من أخطاء إلى فضائل
مثلك في هذا مثل الملكة المتوجة التي يبدو في اصبعها أرخص أنواع الجواهر أعلاها قدرا
كذلك أيضاً تلك الأخطاء التي يراها الناس فيك تتحول إلى المعاني الصادقة
وتنتسب إلى حقائق الأمور

كم من الحملان يستطيع الذئب القاسي خداعها لو استطاع أن يبدو كالحمل في نظراته ولفتاته
وكم من الناظرين إليك تستطيع أن تضلهم لو أنك استخدمت كل القوة التي تتيحها مكانتك
لكن عليك ألا تفعل ذلك
 لأنني أحبك بالصورة التي أنت عليها

وما دمت الانسان الذي أحببت  فسيظل حبي عنوانا لقدرك الرفيع


لقد ازدادت قوة حبي رغم أنه يبدو ضعيفا للغاية
لم يتضاءل حبي لك رغم أن ظاهر الأمر يبديه ضئيلا
فالحب ذا المكانة الجليلة يصير سلعة رخيصة حين يداوم صاحبه على إذاعته في كل مكان
كان حبنا في مستهله منتعشا حتى أصبحنا في الربيع

عندما اعتدت أن أشيد به في قصائدي كالعندليب حين يغني في مطلع الصيف
ثم يتوقف عن الغناء عندما يقترب الصيف من نهايته
ليس لأن أخريات الصيف أصبحت الآن أقل إثارة للبهجة
عما كانت عليه حينما كان ينشر السكون في الليل بألحانه الوجيعة
ولكن لأن هذه الموسيقا صارت حملا قاسيا على كل غصن

فعندما تصبح الأشياء العذبة في متناول الجميع تفقد متعتها النادرة
لذلك أحذو حذوه أحيانا فأمسك عن الكلام لساني
لأنني لا أحب أن أتخمك بما لدي من الأغاني


يا ربة الشعر المتهربة ما هي صياغتك المبتكرة التي تعللين بها اهمالك وحدة الصدق والجمال
فالصدق والجمال معاً يعتمدان في وجودهما على وجد حبيبي
هكذا أنت أيضاً عليه تعتمدين وهذا هو ما يضفي عليك الاحترام
أجبيبيني أيتها الربة الملهمة
أليس من المحتمل أن تقولي إن الصدق لا يحتاج إلى الزخرفة لأنه ثابت اللون
والجمال ليس بحاجة إلى قلم يكتب عن حقيقة الجمال
وأفضل شيء لهما معا أن يظلا بلا امتزاج مع شيء آخر أبدا

أتظلين صامتة لأن حبيبي ليس بحاجة إلى المديح
لا تتخذي ذلك عذرا للصمت لأنك أنت التي تمتلكين القدرة
على جعله يتجاوز حدود المقبرة البراقة
فيتواصل ذكره بالمدح على مر العصور المقبلة

عليك الآن ايتها الربة أن تؤدي واجبك
فتجعلينه يبدو جميلا حقا في عيون الأجيال القادمة مثلما هو الآن


أين أنت يا صاحبة الإلهام
يا من طال بك النسيان في الحديث إلى ذلك الذي يعطيك كل قوتك
هل تبذلين نفثة الهامك على أغنية تافهة وتنفقين قواك لتسكبي الضوء في الأمور الرخيصة
إرجعي أيتها القاسية واسترجعي الآن في القصائد النبيلة ذلك الوقت الذي ضيعته عبثا
رددت غناءك للأذن التي تقدر منك الغناء
وتمد قلمك بالمهارة والفكرة معا
إنهضي أيتها الربة المستكينة
انظري إلى وجه حبي الجميل هل حفر الزمان فيه شيئا من التجاعيد
فإذا وجدت منها شيئا الهميني هجائية عن الذبول
واجعلي أسلاب الزمن محتقرة في كل مكان
امنحي حبي الذيوع بسرعة أكبر من سرعة اتلاف الزمان للحياة

لكي تصدي عنه منجل الأيام وسكينها المعقوف


هكذا رحت ألوم زهر البنفسج الذي تفتح قبل أوانه
أيها اللص الجميل  من أين سرقت عطرك الفواح
إن لم يكن من أنفاس حبيبي  وهذه الحمرة الزاهية التي تسكن في صفحة خدك الرقيق
ألم تتخذ لونها من الدماء التي تجري في عروق حبيبي
لقد أدنت زهر الليلك بسرقة البياض من لون يدك
وأدنت البراعم بالسطو على شعرك
أما الورود فقد وقفت خائفة فوق أغصانها
إحداها احمرت خجلا
الأخرى ابيضت يأسا
ثالثة لا حمراء ولا بيضاء سرقت من اللونين
ضمت إلى سرقتها عطر أنفاسك الذي استولت أيضا عليه
وبسبب هذه السرقة التي اختالت بها بعد اكتمال نمائها
جاءتها الدودة المنتقمة وظلت تأكلها حتى قضت عليها
تأملت كثيرا من الزهور لكنني لم أر واحدة منها

إلا وقد سرقت منك رقتها أو لونها


كنت غائبا  في الربيع  حين خطا ابريل زاهي الكبرياء مرتديا بهاءه المكتمل
وقد بث روح الشباب في كل شيء حتى بات زحل الثقيل يضحك معه ويقفز
الآن لا يستطيع تغريد الطيورولا الرائحة الزكية للزهور المتنوعة في عطرها وألوانها
أن تجعلني أروي أية قصة عن الصيف أو أنزعها من مهدها المتألق الذي نَمَت فيه
كما أنني لا أقوى على التعجب من بياض الليلك أو امتداح اللون القرمزي العميق في الورود
فهي لم تكن في رقتها وفي أشكالها المبهجة سوى نسج على منوالك فأنت الوحدة التي تشملها جميعا
لكن الشتاء ما زال يبدو مخيما وأنت مبعد هنالك
عنك
أداعب هذه الرؤى كأنها طيف خيالك

لشد ما يشابه الشتاء غيابي عنك يا بهجة الصيف في العام الذي انقضى
أي برودة شديدة أحسستها وكم تراءت ظلمة الأيام
كنا في الصيف حين افترقنا وكان الخريف فياض الثمر متزايد الغنى
يحمل لنا المحاصيل التي لقحت في الربيع كأطفال الأرامل الذين يولدون بعد وفاة آبائهم
لكن هذا الحصاد الوفير كان يبدو لي مثل أمل اليتامى وفاكهة الذين فقدوا آباءهم
لأن الصيف وأفراحه يعتمدان على وجودك
فإذا كنت غائبا فكل شيء يصير صامتا حتى الطيور
فلو سمعتها تغني فإن صوتها يكون موحش الغناء

وتبدو أوراق الشجر شاحبة كأنها تخشى اقتراب الشتاء


واأسفاه للقريحة التي أجدبتها ملهمتي تلك التي تملك مدى فسيحا تبرز فيه قوتها
لو أنني كففت عن مدائحي إليك ستظل أعلى مكانة وشأنا مما تضيفه قصائدي إليك

لا تلمني إن لم أعد قادرا على كتابة شيء آخر
تطلع إلى مرآتك وسوف يطالعك على صفحتها وجه يتجاوز بجماله ابداعي الفقير
يخسف ما سطرته ويجعلني أتوارى خجلا
أليس من الخطأ إذن أن أحاول إصلاح شيء فأفسد ما كان جميلا من قبل
لأن قصائدي لم تكتب لأي غرض آخر سوى الاشادة بشمائلك وعطاياك

وأكثر من ذلك أكثر مما يمكن لقصائدي أن تحتويه
تراه ظاهرا على صفحة مرآتك حينما تنظر فيها


بالنسبة لي أيها الصديق الرائع لا يمكن أبدا أن تصير عجوزا
فمثلما كنت حينما التقت عيني بعينك للمرة الأولى
ما زال جمالك يبدو لي بعد ثلاثة فصول من الشتاء البارد
جردت الغابات ثلاث مرات من المناظر البديعة لورق الشجر في الصيف
ثلاثة فصول من الربيع الجميل تحولت إلى صفرة الخريف
ولقد رأيت فيما تتتابع الفصول
ثلاثة من شهور ابريل العطرة تحرقها ثلاثة شهور حارة من يونية
منذ رأيتك للمرة الأولى التي ما زالت خضراء ومازال الجمال مثل الساعة الشمسية
يسرق من مالكه دون أن تدركه الحواس
هكذا أيضا شكلك الجميل الذي يبدو لي مثلما كان
إنه يتغير ويكبر لكن عيني هي التي تخدعني
ولأن هذا هو ما أخشاه أقول لك أيتها العصور القادمة

إن الجمال المكتمل قد مات من زمن طويل قبل مجيئك


لا تترك حبي لك يدعى حبا أعمى
لا تترك محبوبي يبدو وهما
مادامت كل أغاني وكل قصائد مدحي كتبت عن انسان واحد
وإلى نفس الانسان ستبقى أبدا منه إليه
يفيض حبي اليوم بالحنان وغدا يفيض بالحنان
وسيبقى ثابتا على الدوام في أكمل صورة
لهذا تبقى قصائدي رهينة الوفاء
معبرة عن شيء واحد تاركة ما عداه
"الجمال والحنان والصدق"
هذا هو موضوعي بأكمله
"الجمال والحنان والصدق"
أنوع قولها في كلمات أخرى
أبذل جهدي في التعبير المتنوع عن نفس الموضوع
ثلاثة موضوعات في موضوع واحد تمنحني أفقا واسعا

لقد عاش الجمال والحنان والصدق متفرقين دائما
لم يجتمع الثلاثة في أحد أبدا حتى الآن


حين أرى في قصص الأزمنة الماضية أوصاف أجمل الناس الذين عاشوا فيها
والتفنن في تجميل القصائد القديمة عند إطراء النساء الراحلات والفرسان المحبوبين
وحين أقرأ أعمق ما في سجلهم عن الجمال
عن اليد والقدم والشفة والعين والحاجب
أرى أقلامهم القديمة وقد حاولت التعبير عن الجمال الذي أراه الآن فيك
لم تكن مدائحهم للجمال إذن سوى تنبؤات عن الجمال في عصرنا هذا الذي يتجسد بأكمله في صورتك
ولأنهم لم ينظروا للجمال إلا بعيون متنبئة
لم تكن لديهم المهارة الكافية للتعبير الجدير بك
أما في هذا الزمن الذي نتربع الآن عليه

فإننا نملك العين التي يدهشها الجمال وينقصنا اللسان الذي يمكنه التعبير


 لا مخاوفي الخاصة ولا روحي المتنبئة التي تحلم بالأشياء المقبلة في هذا العالم الواسع
يمكنها السيطرة على مصير حبي الصادق الذي يخضع لدورة المصير المعلوم
لقد استطاع القمر الفاني أن ينتصر على الخسوف ويحيا
وصار المتنبئون بذلك موضعا للسخرية بما قالوه
والشكوك السابقة أصبحت الآن هي اليقين المنتصر
وأغصان الزيتون تعلن عصرا أبدياً للسلام
الآن مع قطرات هذا الزمن الفياض بالعطر يبدو حبيبي نضرا ويستسلم الموت لي
ما دمت رغما عنه سوف أحيا في هذا الشعر المتواضع
بينما يصول ويجول بين أولئك الخرس والأغبياء

أما أنت فسوف تجد ما يجسدك في هذه القصائد
بعد زوال الطغاة واندثار القبور النحاسية


ما الذي في العقل يمكن للحبر أن يصوره مما لم يتشكل أمامك من قبل يا روحي الصادقة
ما الجديد الذي يمكن أن يقال وما الذي يمكن تسجيله الآن للتعبير عن حبي أو عن شمائلك الغالية
لا شيء أيها الفتى الرقيق
لكنني في مثل كلمات المصلين لا بد أن أكرر نفس الشيء كل يوم
معتبرا أن الأشياء القديمة ليست قديمة  ما دمت لي وأنا لك حتى عندما بجلت اسمك الجميل للمرة الأولى
فالحب الخالد يظل حبا شابا على الدوام
لا يأبه أبدا برماد السنين الماضيات وجراحاتها
ولا يدع للغضون التي لا مفر منها مكانا
بل يجعل الزمن الماضي خادما لشؤنه
حين يجد انطباع الحب الأول الذي ولد فيه ونما
بينما الزمن والهيئة الخارجية يظهرانه ميتا


لا تقل عن قلبي أبدا أنه لم يكن لك مخلصا رغم أن الغياب أظهرني في شكل من خبا حبه لك
ينبغي عندئذ أن أفترق عن نفسي بسهولة مثل سهولة افتراقي عن روحي التي تقيم بين ضلوعك
ذلك هو منزل حبي
لو كنت قد تجولت مثل ذلك الذي يسافر فإنني أعود ثانيا في وقت العودة المنتظر دون أن يغيرني الزمن
حتى أحضر الماء بنفسي لأغسل الوصمة التي لحقت بي
لا تصدق رغم طبيعتي التي تتحكم فيها
جميع نقاط الضعف التي تحاصر نواحي بدني كلها وتستطيع أن تلطخها جميعا بما ينافي الطبيعة
أن أتنازل عن كل ما لديك من الخير بلا مقابل
إني أرى هذا الكون الفسيح لا يساوي شيئا فيما عداك
يا وردتي
 فأنت كل شيء لي فيه


واأسفاه لأنني حقا مضيت هنا وهناك
جعلت نفسي مثل مهرج البلاط في عيون الناس
جرحت أفكاري الخاصة  بعت أغلى ما لدي رخيصا
وألبست الآثام القديمة ثوبا عاطفيا جديدا
من أصدق الأمور
أنني رأيت الحقيقة بطريقة غير مباشرة كأنني شخص آخر أقسم بكل ما في الأعالي
إن هذه الآثام والخطايا قد منحت قلبي شبابا جديدا
كما أن أسوأ الأحاديث أثبتت أنك الحبيب العظيم

الآن وقد انتهى كل شيء لك مني ما لا يفنى إلى الأبد
عاطفتي المشبوبة التي لن أضعها مرة أخرى في محك التجربة
لأجد برهانا جديدا أختبر به صديقا قديما
فهو إله في الحب وأنا إليه مشدود الوثاق

فلترحب بي إذن في أجمل صورة بعد ترحيب السماء
كما يرحب صدرك الصافي الذي أحبه بلا انتهاء


أود لو أنك من أجلي تلوم ربة الحظ
تلك الربة  صاحبة الذنب فيما أقدمت عليه من أعمال ضارة
فهي التي لم توفر لحياتي عملا طيبا
أفضل من الوسائل العامة التي تولدها الأخلاق العامة
هكذا لحقت باسمي تلك الوصمة
منذ ذلك الحين صارت طبيعي خاضعة لما تقوم بأدائه
مثل ما تؤديه يد الصباغ
فلتشفق علي إذن ولتتمن لي حياة متجددة

مثل المريض الراغب في الشفاء سوف أشرب دواء الخل ضد إصابتي القوية
لن أفكر في مرارة الأشياء ذات الطعم المر
ولا التفكير المضاعف عن الخطايا لتصحيح التصحيح

فلتأس لي إذن أيها الصاحب العزيز وأنا أؤكد لك
إن إشفاقك علي فيه ما يكفي لشفائي


حبك وشفقتك هما اللذان يمحوان التلوث الذي أصابني وألصقته الفضيحة العامة فوق جبيني
ما الذي أحرص عليه سواء دعيت طيبا أو سيئا
ما دمت تغطي جانبي السيء وتظهر جانبي الحسن
أنت لدي كل العالم ولا بد لي أن أكافح حتى أعرف سوءاتي وفضائلي بلسانك أنت
فليس هناك أحد أحسه حيا ولا أنا حي بالنسبة لأحد
ممن يمكنه أن يغير شعوري المتحجر من ناحية الصواب والخطأ

في هذه اللجج المتلاطمة
أقذف كل أنواع الحرص بالنسبة لأصوات الآخرين حتى أن حاستي الجامعة
توقفت بالنسبة لكل من الناقد والمنافق
فلتنظر إذن كيف أبرر لامبالاتي بالآخرين

لقد نموت في فؤادي قويا إلى أبعد حد
حتى صرت أظن أن كل ما في العالم إلاك ميت إلى الأبد